تعاونية بحارة أفتاس ايمي وادار … مدرسة في الحكامة الجيدة وحسن التدبير لتحقيق التنمية ..

تقع منطقة “إيمي ودار” الساحلية على بعد حوالي 27 كيلومتراً شمال مدينة أكادير، تابعة للنفوذ الترابي للجماعة المحلية “التامري”. هذه البلدة التي تعانق أمواج الأطلسي وتستقطب عشاق الطبيعة والسياحة، لا تخفي هويتها البحرية العريقة؛ إذ تشكل نقطة التفريغ المجهزة بها، إلى جانب “تعاونية بحارة أفتاس إيمي وادار”، النواة الصلبة لاقتصادها المحلي وشريان الحياة لمئات العائلات التي تعيش من البحر.
نقطة التفريغ المجهزة: بنية تحتية لعصرنة قطاع الصيد بتدشين ملكي
تعد نقطة التفريغ المجهزة لـ “إيمي ودار” منشأة اقتصادية هامةـ دُشنت على يد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره سنة 2004 م، بهدف نقل نشاط الصيد التقليدي من العشوائية إلى التنظيم والعصرنة. جاء هذا المشروع ليلبي التطلعات المهنية للبحارة من خلال توفير بنيات تحتية متكاملة تضمن تثمين المنتوج السمكي والحفاظ على جودته، وتعتبر هذه النقطة المجهزة للتفريغ أولى النقط المنجزة بالمغرب.
وتضم هذه المنشأة الحيوية مرافق مجهزة تشمل:
- سوقاً لبيع السمك مخصصاً لتنظيم المعاملات التجارية وحماية مداخيل الصيادين.
- مستودعات مخصصة للبحارة لتخزين وتأمين معدات الصيد الخاصة بهم.
- ورشات صيانة لإصلاح القوارب والمحركات البحرية لضمان استمرارية العمل.
- محطة للتزود بالوقود ومرافق إدارية وصحية تدعم النشاط اليومي لمهنيي البحر.
إن هذا الربط بالتجهيزات الأساسية يسعى أساساً إلى توفير الشروط الصحية والسلامة البحرية، وتسهيل عملية رسو وإقلاع القوارب التقليدية.
كما أن إنشاء هذه المنشأة البحرية زاد من إشعاع المنطقة وتم استقطاب عديد المستثمرين بها بداية من المخيم الدولي إلى محطات سياحية ومشاريع فندقية ومقاهي ومطاعم عصرية وإقامات سياحية زادت من قيمة المنطقة وحركت عجلة التنمية بها بشكل كبير.

تعاونية بحارة أفتاس: عقدان من التدبير والتحديات
تأسست “تعاونية بحارة أفتاس إيمي وادار” في أواخر سنة 2003، لتكون الشريك المهني والمخاطب الرئيسي الممثل لصيادي المنطقة. وعلى مدار أكثر من عشرين عاماً، نجحت التعاونية في لمّ شمل أزيد من 90 قارباً للصيد التقليدي، مؤطرةً بذلك نشاط ما يفوق 300 بحار ينشطون في هذه المصايد الغنية.
تتولى التعاونية تسيير نقطة التفريغ المجهزة والخدمات المرتبطة بها. ورغم التحديات الكبيرة التي واجهتها على مر السنين والتقلبات التي تشهدها كميات المصطادات البحرية أحياناً، فضلاً عن نقاشات الحكامة والتسيير المالي والإداري التي ترافق المحطات التنظيمية، فإن التعاونية تظل نموذجاً يعكس أهمية الاقتصاد التضامني والوساطة المهنية بين البحارة والمؤسسات الرسمية كوزارة الصيد البحري والمكتب الوطني للصيد، وتعتبر هذه التعاونية مدرسة في الحكامة وحسن التدبير حيث استقبلت مجموعة من الباحثين من المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، ومن كلية العلوم الاقتصادية والاجتماعية، وغيرهم من الباحثين المغاربة والدوليين في مجال الصيد البحري، كما استقبلت وزراء الصيد البحري بالدول الأوروبية والإفريقية والآسيوية، ولجن من الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وممثلي المنظمات الدولية، لما تتميز به من موقعها الاستراتيجي وحسن تدبيرها لهذه المنشأة المتميزة على الصعيد الوطني والدولي.

السلامة والاستدامة.. أولوية الحاضر والمستقبل
لم يعد دور نقطة التفريغ والتعاونية مقتصراً على تفريغ الشحنات وتسويق الأسماك، بل تحولا إلى فضاء مفتوح للتأطير والتوعية. وفي هذا الصدد، تحتضن المنشأة حملات تحسيسية دورية (مثل حملة “رد بالك الرايس”) الرامية إلى نشر ثقافة السلامة المهنية، والحد من الحوادث البحرية، إلى جانب دعوة البحارة لاعتماد ممارسات صيد مسؤولة ومستدامة لحماية البيئة البحرية والتنوع البيولوجي في شواطئ سوس ماسة.
وتبقى نقطة التفريغ المجهزة بإيمي ودار، مدعومةً بتعاونية بحارة أفتاس ايمي وادار، واجهة حقيقية لتنمية الصيد التقليدي بالمنطقة بصفة خاصة وتنمية المنطقة تنمية شاملة ومستدامة بصفة عامة، ومثالاً على كيف يمكن للاستثمار في العنصر البشري والبنية التحتية أن يحمي لقمة عيش الصياد البسيط ويحافظ، في الآن ذاته، على الثروة السمكية الوطنية بحكامة في التدبير وتنمية في التسيير.




