أراءسياسةمجتمع

جدالات عميقة تحتدم بين طلبة كلية الشريعة وبين من يرى عدم كفاءتهم لولوج مهنة المحاماة

الصحفي محمد المودن

صرخة طالب .. انكار الأصل بعد الوصل

خرجت من رحم الشريعة يوم كانت المدرجات تضمها، والمراجع تغذي عقلها، والأساتذة يفتحون لها أبواب الفهم والاجتهاد، حتى إذا اشتد عودها، وارتفع مقعدها، وتوشحت بالصفات التي تحملها الآن، التفتت إلى الأصل الذي احتواها، فإذا بها تخاصمه بعدما كانت تنتمي إليه، وتغلق الباب الذي عبرت منه إلى ما بلغت.

ولم يكن الخلاف يوما في حقها أن تبدي رأيا، أو تناقش قانونا، أو تخالف مقترحا، فذلك من صميم العمل التشريعي، ولكن العجب كل العجب أن يتحول النقاش من بيان شروط المهنة إلى التنقيص من كلية صنعت أسماء، وخرجت كفاءات، وربت أجيالا حملت العلم والقانون معا.
فقد رفضت زينة تعميق النظر في مقترح إدراج كليات الشريعة ضمن الشهادات المخولة لولوج مهنة المحاماة، محتجة بوجود اختلاف جوهري بين البرامج البيداغوجية في كليات القانون وكليات الشريعة، وكأن طالب الشريعة غريب عن القانون، بعيد عن روح التشريع، جاهل بفنون الحجاج والتقاضي، لا يميز بين النص وروحه، ولا بين القاعدة وتطبيقها.

لكن الحقيقة التي يعلمها أهل الاختصاص، ويشهد بها المنصفون العقلاء، أن كليات الشريعة لم تكن يوما فضاءات للوعظ المجرد كما صُوِّرت واحتجت به زينة، بل كانت ولا تزال مدارس للتأصيل الفقهي والتكوين القانوني معا؛ وهذا عبد ربه درس بماستر التوثيق والعقار في الفقه المالكي والتشريع المغربي بكلية الشريعة، وكان ضمن مقرراته البيداغوجية: التنظيم القضائي، والحقوق العينية، والأنظمة العقارية، وعقود التوثيق، وعقود الاستثمار الفلاحي، والشفعة والقسمة العقارية، والاجتهاد القضائي في المادة العقارية، ومساطر التحفيظ، وأحكام العقود العقارية، والإثبات….وغيرها من الوحدات التي لا يدرسها إلا من خاض غمار القانون وفهم لغة القضاء والتشريع.

فبأي حكم تحكمين يا زينة؟ أبالمظاهر أم بالمضامين؟

إن من تعود على فهم المتون الفقهية، واستيعاب اختلافات العلماء، وتحليل علل الأحكام، لا يعجز عن فهم النصوص الوضعية، بل كثيرا ما يكون أقرب إلى إدراك فلسفتها ومقاصدها.

ثم إن المحاماة ليست حفظ مواد جامدة فحسب، وإنما هي ملكة في الفهم، وقوة في الاستنباط، وقدرة على بناء الحجة والدفاع عن الحقوق، وهذه كلها مما تتشربه كليات الشريعة في مسارها العلمي قبل أن تتشربه بعض التخصصات الأخرى.

ولئن كان معيار الولوج إلى المهنة هو الكفاءة العلمية، فالعدل يقتضي أن يكون الفيصل هو الامتحان، لا الإقصاء المسبق ولا الأحكام العامة. أما أن يغلق الباب في وجه خريجي كليات الشريعة لمجرد الاسم، مع أنهم يدرسون القانون ويتقنون أدواته، فذلك ليس انتصارا للمهنة، بل تضييق.

وما كان يليق بمن خرجت من عباءة الشريعة أن تكون أول من ينكر أثرها، أو يقلل من شأنها، لأن الوفاء للأصل من شيم الكبار، ولأن المؤسسات العلمية لا تهدمها كلمة عابرة، فقد بقيت الشريعة عبر السنين تخرج القضاة والعدول والمحامين والباحثين، وسيظل عطاؤها قائما ما بقي للعلم أهله وللعدل رجاله.

ختاما أقول إذا كنتم ترون أن طالب كلية الشريعة عاجز عن مجاراة خريج القانون، وأن بينهما بونا لا يردم، فلم الخوف من المنافسة؟

ولماذا لا تتركون قاعة الامتحان هي الحكم والفيصل، والميزان الذي لا يجامل أحدا؟

أليس الأولى أن يفتح الباب لخريجي كلية الشريعة، ثم يقال بعد ذلك: من نجح استحق، ومن عجز أقصي؟
أما الإقصاء قبل الاختبار، والحكم قبل الامتحان، فليس من روح العدالة التي قامت عليها مهنة المحاماة، ولا من منطق الإنصاف الذي يفترض أن ينتصر للكفاءة لا للألقاب.

فدعوا القاعات تتكلم، والأوراق تحكم، والعقول تتبارى، وحينها سيعلم الجميع أن طالب الشريعة لم يكن يوما طارئا على القانون، بل كان أحد أبنائه الذين تشكلوا بين الفقه والتشريع، وبين النص والاجتهاد.

كتبه: الطالب الباحث محمد بن عبد الله أبندار، بأكادير، بتاريخ 15-05- 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
× How can I help you?