
قفزت المقولة الشعبية المغربية “ما يخلي دار بوك غير لي عرف جد بوك” إلى واجهة النقاش مؤخرا بين خريجي كليات الشريعة، لتختزل حالة من العتاب الممزوج بالاستغراب، إزاء التحديات التي تواجههم في طريق ولوج مهنة المحاماة. المثير في هذا الملف أن “الفيتو” لم يُرفع فقط من جهات تنظيمية أو قانونية، بل جاء من قلب “الدار”، ومن أبناء التخصص أنفسهم.
لسنوات طويلة، واظبت كليات الشريعة في المغرب على تخريج طاقات طلابية تجمع في دراستها بين الفقه الإسلامي ومواد القانون الوضعي؛ وهو مسار يجعل من حلم ارتداء “البذلة السوداء” طموحا مشروعا وامتدادا طبيعيا لتكوينهم. غير أن المفارقة التي يعيشها هؤلاء الشباب اليوم، تتجاوز تعقيدات المساطر وشروط اجتياز المباريات.
أولى فصول هذه المفارقة سُجلت داخل ردهات المؤسسة التشريعية. ففي غمرة انتظار الخريجين لمن يتبنى ملفهم ويترافع عن حقهم في الإدماج المهني، تفاجأ المتتبعون بأصوات سياسية تُفرمل مقترحا يهدف إلى تيسير ولوجهم للمهنة. وما زاد من وقع هذا الموقف، هو أن تلك الأصوات الممانعة نهلت من نفس النبع، وسبق لها أن جلست على مقاعد كلية الشريعة بأكادير. بالنسبة للطلبة الباحثين عن موطئ قدم في سوق الشغل، كان الأمر أشبه بباب أُغلق من الداخل، خيَّب آمالا كانت تعول على من يعرف “خبايا الدار” ليكون السند (والمحامي) الأول عن قضاياها.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد النقاش ليشمل دائرة واسعة من الخريجين القدامى. إذ تعالت أصوات من داخل التخصص ذاته، تبدي تحفظها أو معارضتها لفكرة فتح المجال أمام الأجيال الجديدة. وما يثير الانتباه، هو أن الفئة الغالبة من هؤلاء المعارضين هم أشخاص تمكنوا في سنوات خلت من تأمين مساراتهم، واستقروا مهنيا بعد أن ولجوا قطاعات حكومية أو مهن حرة مختلفة.
يطرح هذا الموقف المزدوج تساؤلات مشروعة حول الأسباب التي تدفع من عاش يوما نفس الهواجس، إلى معارضة طموح جيل جديد يتقاسم معه الانتماء نفسه. هل هو تخوف من الاكتظاظ داخل المهنة؟ أم نظرة مختلفة لمتطلبات سوق الشغل؟ في كلتا الحالتين، يرى الخريجون الجدد أن معيار “الكفاءة” وإثبات الذات في المباريات يجب أن يكون هو الفيصل الوحيد، بدلا من إغلاق الأبواب استباقيا.
في النهاية، ما يحتاجه شبابنا اليوم، سواء خريجو الشريعة أو الحقوق أو غيرهم، هو نقاش هادئ ومسؤول يفتح الآفاق ولا يوصدها، ويستحضر المصلحة العامة، لكي لا تظل الأجيال الجديدة تردد بمرارة: “ما يخلي دار بوك غير لي عرف جد بوك”.



