من قاعة الجلسات رقم 2 بمحكمة الاستئناف بأكادير..
حين تنتصر المسؤولية رغم قسوة الإرهاق

حضرتُ يوم أمس لمتابعة أحد الملفات بمحكمة الاستئناف بأكادير، وتحديداً بقاعة الجلسات رقم 2، فوجدت نفسي أمام مشهد يستحق التوقف عنده، ليس فقط لكثرة القضايا وتراكم الملفات، بل لما يتطلبه تدبير مثل هذه الجلسات من صبر وحكمة ومسؤولية مهنية كبيرة.
منذ الساعة الثامنة والنصف صباحاً، بدأت الجلسات وسط أكوام من الملفات التي اصطفت فوق الطاولات، في مشهد يوحي بحجم القضايا المعروضة، والتي قد يتجاوز عددها 300 ملف. مواطنون ينتظرون مصير قضاياهم، ومحامون يتعاقبون على المرافعة، ونقاشات قانونية محتدمة، وأسئلة دقيقة يطرحها القاضي، وتدخلات متواصلة لنائب الوكيل العام للملك، فيما يظل موظفو المحكمة ومساعدوها والأمن حاضرِين لمواكبة مختلف أطوار الجلسة.
كانت الملفات تتوالى، والمناداة لا تتوقف، وكل قضية تحمل خلفها حكاية إنسانية، وأسرة تنتظر، ومتهماً يترقب، وحقوقاً يسعى أصحابها إلى إنصافها. ومع مرور الساعات، بدأ التعب يظهر على الوجوه، وأصبح الإرهاق واضحاً على الجميع، من قضاة ومحامين ونيابة عامة وموظفين، لكن عجلة الجلسة ظلت تدور، في محاولة لمعالجة أكبر عدد ممكن من القضايا المعروضة.
واستمر هذا الماراثون القضائي من الثامنة والنصف صباحاً إلى الساعات الأولى من صباح اليوم الموالي، قبل أن تدخل الهيئة في المداولة، ثم تعود لإصدار الأحكام في الملفات الجاهزة، بين قرارات بالسراح المؤقت، وأحكام بالبراءة، وعقوبات سالبة للحرية تتفاوت بحسب طبيعة كل قضية وملابساتها.
لكن أكثر ما استوقفني وأثار إعجابي، هو رئيس الجلسة.
لقد لفت انتباهي أسلوبه في محاورة المتهمين، وطريقة تفاعله مع أجوبتهم، وحرصه على طرح الأسئلة التي تساعد على فهم تفاصيل القضايا. كان واضحاً من خلال تدبيره للجلسة أنه يمتلك حنكة قضائية وخبرة في التعامل مع مختلف الحالات، فضلاً عن أسلوب إنساني واجتماعي يجمع بين الجدية في أداء المهمة واحترام من يقفون أمامه.
أن تدير جلسة بهذا الحجم، وسط هذا الكم الهائل من الملفات، وأن تحافظ على التركيز والهدوء، وتمنح كل قضية ما تستحقه من انتباه، رغم ساعات العمل الطويلة، فذلك ليس بالأمر الهين.
لرئيس الجلسة أقول: شابو! أرفع لك القبعة تقديراً واحتراماً.
ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال أثر الإضرابات التي خاضها المحامون خلال الأشهر الماضية في تراكم الملفات وتأخر البت في عدد من القضايا، وهو ما يجعل حجم الضغط داخل المحاكم أكثر وضوحاً، ويضع مختلف مكونات العدالة أمام تحديات حقيقية لتدارك هذا التأخير.
إن جلسة تمتد من الثامنة والنصف صباحاً إلى الساعات الأولى من اليوم الموالي ليست أمراً سهلاً على أي طرف. ومع ذلك، فإن ما عاينته من تضافر جهود الهيئة القضائية والنيابة العامة والمحامين وموظفي المحكمة، كل من موقعه واختصاصه، يعكس أهمية العمل الجماعي في مواجهة هذا التراكم، والسعي إلى البت في القضايا في إطار من المهنية والمسؤولية.
قد نختلف في تقييم بعض الأحكام، وقد تكون لنا ملاحظات على سير العدالة، لكن الإنصاف يقتضي أيضاً أن نتوقف عند الجهود المبذولة، وأن نثمّن كل عمل جاد يروم خدمة المواطن وتحقيق العدالة.
فالعدالة ليست أحكاماً تُتلى فحسب، بل مسؤولية ثقيلة، وصبر طويل، وتركيز لا يحتمل التهاون، وقرارات قد يتوقف عليها مستقبل إنسان وأسرة بأكملها.
تحية تقدير واحترام لكل من يسهر على أداء هذه الرسالة النبيلة، وشابو لكل من يواصل العمل بإخلاص رغم ضغط الملفات وقسوة الإرهاق.
الحسن البوعشراوي



